مركز أم الزنار للتربية الدينية



مرض البخل
(2كورنثوس 9:1-15)
الأخت فاديا الست
 



كانت إحدى الفضائل الهامة في الأخلاق المسيحية في الكنيسة الأولى والواجب توافرها في خدام الكنيسة من القسوس والشيوخ والشمامسة, فضيلة العطاء بسخاء وإضافة الغرباء. إلا أنها ضاعت اليوم. ألا نعود إلى كلمة الله لتحيي فينا هذه الفضيلة من جديد؟ لكن دعونا أولا نهدم قبل أن نبني, ونتخلى عن البخل قبل أن نتحلى بالكرم, فنفرغ الكأس مما فيه, حتى نملأه بالجديد.

التبذير والتبديد:
المبذر هو الذي يقدم أكثر من الحد المعقول والمطلوب. أما المبدد فإنه يستهلك أشياء بغير ما حاجة إلى استهلاكها. والطالب الذي لم يبق على امتحانه إلا أياما قليلة, بينما يقضي الساعات أمام التلفاز, مبذّر في وقته. والطالب الذي يهمل دروسه ويستلقي على ظهره مسترسلا في أحلام اليقظة, مبدد لوقته.. وهكذا. وينشأ التبذير والتبديد من عدة عوامل تتعلق بتكوين شخصية الفرد:
1- كثيرا ما ينشأ التبذير أو التبديد بسبب عدم القدرة على إقامة العلاقات المكانية والزمانية المتباينة, أي إدراك ما يجب إنفاقه في أمر معين في وقت معين.
2- وقد ينشأ من سيطرة الرغبة على الإرادة. فبعض المبذرين أو المبددين يسارعون إلى التورط في الديون أو تبديد ما بين أيديهم من مال, بغير تفكير في العواقب.
3- وقد ينشأ بسبب العادة التي تمكنت منه, مثل عادة التدخين. فيبذر أو يبدد أمواله, ليس فقط في شراء السجائر بل في تقديمها بوفرة وافتخار لأصدقائه وضيوفه.
4- وقد يكون بسبب عقدة نفسية, فيبذر أو يبدد وكأنه ينتقم من نفسه أو من أهله, فيكون ذلك نوعا من الانتحار الاقتصادي.
5- وهناك أسباب أخرى لا تتعلق بالفرد بل بالمجتمع الذي ينشأ فيه.




سيكولوجية البخل:
يعرف البخل بأنه الإمساك عن إنفاق المال على الرغم من توفره, وعلى الرغم من أن الإنفاق المطلوب لا يشكل سببا في الإفلاس أو التهديد بالحاجة إلى الآخرين, وعلى الرغم من أن مجالات الإنفاق المطلوبة وجيهة أو ضرورية, أو أن عدم الاستجابة لها يشكل خطرا أو ضررا للمحتاج.
إن البخلاء يقعون في فئات متباينة بحسب الموضوعات التي ينصب عليها بخلهم. فأحد البخلاء يقدم مائدة فاخرة لضيوفه, بينما يقتر في تقديم الخبز على المائدة...إلخ. هذا يعني أن البخل عند البخلاء نوعي ويتعلق بشيء ما أو موقف معين. فالبخل إنما يرتبط سيكولوجيا بالخبرات التي مر بها البخيل منذ طفولته. ويمكننا القول إن أكثر الناس كرما أو تبذيرا أو تبديدا, هم في الوقت نفسه بخلاء في ناحية ما او أكثر من نواحي حياتهم. وإن أكثر الناس بخلا يمكن أن يكون أكثر كرما أو تبذيرا في بعض شؤون حياته...وهكذا. لذلك فمن الظلم أن ننعت إنسان بالبخل المطلق في جميع شؤون حياته.

البخل, مرض وخطية:
يجب أن نفرق بين البخل, وبين الحرص أو الاقتصاد في الصرف. ويعتبر البخل مرضا لأنه انحراف عن الطبيعة البشرية التي خلق الله الإنسان عليها. فالبخل صفة ذميمة دخيلة, ومرض اجتماعي ونفسي وروحي.
قالوا في البخل: جود الرجل يحبب فيه أعداءه, وبخله يكرّه فيه أولاده.
وفي وصف نخلة قررت أن تبخل على الناس بتمرها, لأنها لا تأخذ منهم شيئا إلا رميها بالحجر. فقرر صاحبها أن يقطعها ويستخدم خشبها في التدفئة.
أما الشح فهو البخل مع الحرص المرضي. فهو أشد في الذم من البخل. فنقول بخيل لدرجة الشح, أي بخيل جدا في ماله وعواطفه وتشجيعه, حتى في ابتسامته.
وفي رسالته إلى كنيسة كورنثوس يحذر بولس من خطية الشّحّ, ويؤكد قانونا مسلما به عند كل الناس. إن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضا. فمن يزرع قليلا سيحصد قليلا, والذي ينفق ماله في عمل الخدمة ولخير الآخرين, سوف يكافئه الرب على قدر إنفاق ماله ووقته. وهذه المكافأة تكون في هذا العالم أو في الدهر الآتي أو في كليهما. هذا القانون هو علة السخاء في العطاء, لأنه يبين أنه ينفع المعطي والمعطى له أيضا.


العلاج:
هذه بعض نصائح علاجية مختصرة لداء البخل:
- حذار من أن تجعل المال هدفا في حد ذاته. وإذا اعتبرته غاية فليكن غاية نسبية وليس مطلقة. فالألوهية هي الغاية التي لاغاية بعدها.
- لا تستذل الآخرين بمالك, ولاتجعله وسيلة لشراء أنصار وتابعين للانتقام, أو لإحراز قوة وسلطة عليهم.
- كن واثقا من نفسك, فمقامك الحقيقي يجب ألا تستمده مما تمتلك, بل من شخصيتك وثقافتك وأخلاقك.
- اتخذ لنفسك الموقف الوسط بين البخل والتبذير.
- ضع ميزانية لنفقاتك الدائمة والمتغيرة. وضع في حساباتك عمل الرب واحتياجات الآخرين الحقيقية.
- فكّر في وسائل مشروعة لزيادة دخلك. وإحداها ضغط مصروفاتك الشخصية التي يجب ضغطها.

الشفاء من البخل
(2كورنثوس 8:1-15)

البخل يتناقض مع واحد من أهم سمات الأخلاق المسيحية, خاصة في الكنيسة الأولى, سمة السخاء في العطاء وإضافة الغرباء.
ويقدم بولس في رسالته إلى كنيسة كورنثوس, خمسة أسباب قوية يشجع بها أعضاء الكنيسة على العطاء بسخاء. هذه الأسباب تصلح أيضا أن تكون دوافع لنا على العطاء بسخاء:
1- يخبر كنيسة كورنثوس عن كرم وسخاء عطاء كنائس مكدونية الفقيرة (ع1-5). فرغم أنهم كانوا في ضيقة شديدة, إلا أنهم أعطوا أكثر من المتوقع والمطلوب منهم. هذا يعني أن أغنى الناس ليس هو أكرمهم أو أسخاهم. وهناك مثل يقول: إن الفقراء هم الذين يساعدون الفقراء , لأنهم يذوقون طعم الفقر ويعرفونه جيدا.

2- يضع أمامهم المسيح كمثال ونموذج يجب أن يتمثلوا به. فيرى أن تضحية المسيح لم تكن فقط عند موته على الصليب أو حتى عند ميلاده في مذود حقير,بل بدأت منذ أن قبل أن يتخلى عن أمجاده السماوية وينزل إلى الأرض (ع9).

3- يذكرهم بماضيهم المشرف. لقد كانوا سبّاقين في العطاء قبل كنائس مكدونية الذين غاروا منهم بدليل قوله "غيرتكم قد حرضت الأكثرين" (ص9:2). فهو لم يرد أن يصدر أمرا من أجل جمع العطاء لكنيسة أورشليم, لأن شرط السخاء في العطاء أن يكون تبرعا وليس إطاعة لأمر. لكنه يعطي رأيا نافعا, وهو أن فعل الخير ينفع فاعله, لأنه يؤول إلى نموه في الفضائل (ع10,8,7).

4- يشدد على ضرورة ترجمة العقائد الصحيحة إلى مشاعر طيبة. فالاستجابة التي لا تتخطى الشعور, والعطف الذي يبقى مجرد إحساس في القلب, والرغبة الطيبة التي لا تتحول إلى عمل طيّب, هي أمور لا تجدي نفعا, بل تبعث على اليأس وخيبة الأمل.

5- يذكّرهم أن ضيقة أورشليم وقتية, فهناك احتمال لتغير الأحوال في المستقبل. إن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد, وبالكيل الذي نكيل به سوف يكال لنا. فالحياة تكافئ السخاء بالسخاء والشح بالشح.

أربع طرق في العطاء:
هناك أربع طرق تقريبا يمكن للشخص أن يقدم بها عطيته:
1- الواجب:
هناك من يقدم لمجرد الواجب. قد يبدو عليه مظهر الكرم والسخاء, لكنه في نفسه يفعل ذلك كمن يسدد حسابا أو يدفع ضريبة فرضت عليه. والعطية التي تقدّم بهذه الروح, من الأفضل لصاحبها لو لم يقدّمها.
2- إرضاء الذات:
هناك من يقدم لمجرد الشعور بإرضاء الذات. إنه يفكر في المتعة التي سيجنيها عندما يعطي, أكثر من تفكيره في مشاعر الشخص الذي يتقبل عطيته. فإذا كنت تقدّم بهذه الروح في العطاء, فأنت أناني, لأنك بذلك تقدّم هذه العطية لنفسك وليس للآخرين.
3- الحرص على الكرامة:
هناك من يقدّم بدافع الحرص على هيبته الشخصية, فيكون الباعث الحقيقي لهذا العطاء هو الكبرياء وليس المحبة. فإذا كنت تقدّم بهذه الروح, فأنت بذلك لا تساعد المحتاج, بل تمجّد نفسك وتعظمها. ومن يعطي بهذه الروح لن يعطي إلا حيث يراه الناس ليمدحوه, وإلا فلن يعطي شيئا.
4- بدافع المحبة:
إن الطرق الثلاث السابقة لا تعتبر سيئة, فهناك على الأقل عطية تقدّم, بغضّ النظر عن الدافع الذي قدّمت به. لكن هناك طريقة وحيدة للعطاء بالروح الجيدة, أن تكون بدافع المحبة. فالمعطي الحقيقي يعطي لأنه لا يستطيع أن يمنع نفسه عن العطاء. مثل قرص الشهد الذي يعطي عسلا من تلقاء نفسه, فهو بخلاف الصندوق المغلق الذي لا تستطيع أن تأخذ منه شيئا إلا إذا كسرت قفله.

معالجة التبذير والتبديد والبخل:
إن معالجة التبديد والتبذير تكون بالتنظيم, بأن تضع لنفسك ميزانية لنفقاتك الدائمة والمتغيّرة. وأن تعمل حسابا لاحتياجات الآخرين من أقاربك وأصدقائك, وتعمل حسابا لاحتياجات عمل الرب وكنيسته. وفكّر في وسائل مشروعة من أجل زيادة دخلك.
أمّا معالجة البخل فلا تكون بالتنظيم بل بتغيير مقصود في اتجاهك. وأول خطوة في طريق العلاج هي:
- أن تعترف بأنّك بخيل.
- ثم أن تسعى بإخلاص لمعرفة أسباب بخلك, هل هو اتجاه عام في مجتمعك, أو في أسرتك, أم هو اتجاه تنفرد به وحدك؟
- ثمّ حدد أي مجال ترى فيه نفسك بخيلا, في المال أم الوقت أم المشاعر أم الكلام أم في المشاركة؟
- ثمّ حدد الجهة المستحقّة لتلك العطايا, شخص أم عائلتك أم الكنيسة؟

بركات العطاء:
الشخص الكريم لا يمكن أن يخسر, لأن العطاء بمثابة زرع البذور, والذي يزرعه صوف يحصده..
كما أن العطاء يحمل للمعطي فرحا وسرورا. إن المعطي المسرور هو الذي يحبه الرب. أن تستقبل صديقا ببشاشة وفرح ولم تعطه شيئا, أفضل من أن تعطه كل شيء باشمئزاز.. والعطاء يفعل ثلاثة أشياء عجيبة:
للمتلقي, حيث يخفف عنه ويعيد ثقته بالناس وبالرب.. وللمعطي, حيث يبرهن به صدق إيمانه المسيحي, ويكسبه محبة وصلوات الآخرين.. وللرب, لأن الناس عندما يروا أعمالنا الحسنة يمجدون أبانا الذي في السماوات.
 

الرئيسية          المزيد من المحاضرات